من ملفات فساد الإسلاميين الإرهابيين .. “اليسع عثمان” صاحب الألف “دكان” في أهم مراكز التجارة بالعاصمة الخرطوم
وكالات – بلو نيوز
في الوقت الذي كان يواجه فيه المواطن السوداني أزمات اقتصادية خانقة في ظل النظام البائد، كانت تتشكل في الخفاء إمبراطوريات مالية ضخمة لقيادات في نظام الحركة الإسلامية الإرهابية وواجهتها حزب “المؤتمر الوطني” المحلول.
وتأتي حالة القيادي ورئيس اتحاد الشباب الوطني الأسبق، اليسع عثمان القاسم، كنموذج يجسد سياسات “التمكين” واستغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب استثمارية شخصية على حساب مقدرات الدولة.
تكشف وثائق وملفات قانونية عرضتها حكومة الفترة الانتقالية عبر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة آنذاك، عن آليات الاستحواذ على أصول استراتيجية وتجارية وسياحية في قلب العاصمة الخرطوم، متجاوزة القوانين واللوائح المنظمة للعمل المالي والإداري.
شهية واسعة للفساد
أظهرت التحقيقات والوثائق آنذاك شهية واسعة للسيطرة على المواقع الحيوية في الخرطوم، إذ حصل القيادي الإسلامي اليسع على ألف متجر في “أسواق جاكسون”، مستغلاً موقعه لتأمين السيطرة على تلك المواقع في قلب العاصمة، والتي تعتبر الشريان التجاري الأبرز فيها.
وعقب كشف تلك المعلومات، حاول القيادي في الحركة الإسلامية الإرهابية اليسع التقليل من قيمة تلك الممتلكات، إذ قال إنها مجرد “ترابيز” للعرض على الأرض، وليست محالّ تجارية، رغم أن الواقع يكذب ذلك الادعاء، بل إن التفسير القانوني لتلك العملية التي اتبعها في الاستحواذ على تلك المحال يُعرف قانونياً بمحاولة فرض احتكار واسع على المنطقة التجارية الأهم في قلب العاصمة الخرطوم.
احتكار الأراضي المميزة
أيضاً تمكن اليسع، عبر منصبه وعلاقاته مع حكومة ولاية الخرطوم آنذاك، من احتلال مساحة شاسعة من كورنيش النيل الأزرق، إذ خُصص له ألف متر طولي (كيلومتر كامل) من الكورنيش قبالة برج الاتصالات ببري.
هذا التخصيص تم عبر حكومة ولاية الخرطوم في عهد الوالي عبد الرحمن الخضر، مقابل عقد إيجار شهري زهيد قُدِّر بـ 50 ألف جنيه سوداني (ما كان يعادل نحو 170 دولاراً آنذاك). وشمل المشروع إقامة كافتيريات وتعديات بالبناء داخل حرم النيل وعلى الرصيف، فضلاً عن احتكار عوائد اللوحات الإعلانية وإعادة تأجير المساحات لبائعات الشاي وصغار الكسبة.
ذلك الجشع المالي لا يعتبر حالة فردية من قبل عناصر النظام البائد المنتسبين للحركة الإسلامية الإرهابية، بل نمطاً طبيعياً يتبعه جميعهم في التعامل مع المال العام عقب توليهم المناصب العامة.
فساد ممنهج
كشف التحليل القانوني والمحاسبي الذي عرضته حكومة الفترة الانتقالية المنقلب عليها لملف اليسع عثمان عن منهجية منظمة لتجاوز الأطر التشريعية للدولة، وتلخص ذلك التحليل في أربعة محاور رئيسية.
أولها هو غياب الشفافية وتغييب العطاءات، إذ مُنحت هذه المواقع الاستراتيجية عبر “تخصيص مباشر” دون طرحها في عطاءات تنافسية عامة، ما يخالف قانون الشراء والتعاقد واللوائح المنظمة لإدارة الأراضي والمنشآت الحكومية، ويؤكد شبهة تبادل المنافع داخل الدوائر الضيقة للنظام البائد.
ثانيها هو التزوير المحاسبي وتضخيم التكاليف، ووفقاً لوثيقة تحصلت عليها “صحيح السودان”، تضمنت إنذاراً قانونياً وجهه آنذاك المحامي عامر حسين حبيب (شريك اليسع في شركة “ميلينيوم”)، وهي الشركة التي كان يتحرك عبرها في الأنشطة المذكورة سابقاً وغيرها من الأنشطة؛ أظهرت تلك الوثيقة تبايناً حاداً في الحسابات، إذ بلغت التكلفة الحقيقية لأحد المشاريع المذكورة 1,415,206 جنيهات، في حين قُدم كشف حساب مزور لمحلية الخرطوم يدعي أن التكلفة بلغت 5,303,908 جنيهات، بهدف تضخيم بند “استرداد تكلفة التمويل والتشغيل” واختلاس الفارق من المال العام.
احتيال وتلاعب بالقانون
كعهد القيادات التابعة للحركة الإسلامية الإرهابية في استغلال الثغرات القضائية ضد الدولة، اتبع اليسع ذات النهج عندما حاولت محلية الخرطوم، في عهد المعتمد الأسبق أحمد أبو شنب، إلغاء العقد وإزالة التعديات في أسواق جاكسون بناءً على المخالفات الإدارية، وكلها مملوكة لليسع. لجأ إلى القضاء وحصل على حكم من محكمة الخرطوم الجزئية بتعويض طائل بلغ 26,059,637 جنيهاً، مع الحجز على أموال محلية الخرطوم في بنك النيل، ما جعل الدولة تدفع تعويضات بدلاً من استرداد حقوقها.
وتوضح تلك العملية مدى قدرة عناصر النظام البائد على تطويع القوانين لمصالحهم الشخصية دون الخشية من القوانين أو الجهات القضائية، التي طوعوها بفسادهم لخدمة أغراضهم ومطامعهم الشخصية دون خشية أو مهابة، وعلى عكس النهج الذي يقولون إنهم يتبعونه في صون الأمانة والالتزام بشرع الله، والذي هم أبعد ما يكونون عنه.
أوراق وإجراءات صورية
في الأيام الأخيرة للعهد البائد بقيادة المعزول البشير، وتحت وطأة الضغط الشعبي، صادرت الحكومة الألف متجر التي تتبع لليسع عثمان. وهي خطوة وصفتها لجنة إزالة التمكين لاحقاً، على لسان عضوها وجدي صالح، بأنها كانت “حملة صورية لمكافحة الفساد” استهدفت تهدئة الشارع دون رغبة حقيقية في تفكيك بنية الفساد.
أدت هذه الممارسات الاحتكارية إلى إلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد المحلي لولاية الخرطوم، وحرمت خزينة الدولة من إيرادات مليارية كانت كفيلة بدعم قطاعات الخدمات المتهالكة كالصحة والتعليم والبنية التحتية، فضلاً عن خنق المنافسة الشريفة وحرمان رواد الأعمال والشباب من الفرص الاستثمارية العادلة.
فساد الثلاثة عقود
على مدى ثلاثة عقود، روجت قيادات النظام البائد للحركة الإسلامية الإرهابية لشعارات الزهد والدعوة الأخلاقية مثل “هي لله.. لا للسلطة ولا للجاه”.
لكن ملفات الفساد التي جاءت عقب ذلك، وفي مقدمتها ملف اليسع عثمان، عرت التناقض الصارخ بين الخطاب الإسلاموي الزائف والممارسة الفعلية على أرض الواقع.
هذا التباين خلق صدمة مجتمعية عميقة، إذ كانت قيادات الإسلاميين الإرهابيين تطالب المواطنين بالصبر واحتساب الأمر لله، وتدعي تلك القيادات تطبيق شعارات الإسلام وترسم على ملامح وجوهها علامات التقوى الزائفة؛ بينما كانت تتمتع بالمال العام في الخفاء وتشيد إمبراطوريات مالية تمتص دم المواطن ومقدرات الدولة ومستقبل أجيال مقبلة، وما اليسع إلا أحد أصغر هؤلاء اللصوص الذين سرقوا مال المواطن وسخروه لخدمة مصالحهم الشخصية.
تقرير – صحيح السودان
