تفكيك مراكز القوة وإعادة تركيب الولاءات .. قرارات البرهان تعيد رسم موازين القوة وتفتح مرحلة إعادة تشكيل النفوذ العسكري والسياسي
تتسارع التحولات داخل المؤسسة العسكرية السودانية في لحظة فارقة من تاريخها، حيث تكشف قرارات إعادة تشكيل هرم القيادة عن اصطفافات داخلية معقدة وتباينات متصاعدة في مراكز النفوذ. وبينما جرى تقليص أدوار قيادات بارزة في مقدمتها الفريق شمس الدين كباشي عبر إعادة توزيع صلاحياته، برز تعيين الفريق أول ركن ياسر العطا على رأس هيئة الأركان كأحد أكثر القرارات إثارة للجدل، في ظل ما يثيره من قراءات متباينة حول اتجاهات المؤسسة العسكرية ومستقبل توازناتها الداخلية خلال المرحلة المقبلة.
تقرير – بلو نيوز
تتوالى القرارات العسكرية في السودان، لتلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني المعقد، وتكشف عن تحولات عميقة في بنية المؤسسة العسكرية وتوازنات القوى داخلها. ففي مطلع أبريل 2026، أصدر رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، حزمة من القرارات التي لم تكن مجرد تعديلات إدارية روتينية، بل كانت بمثابة إعادة هندسة شاملة لمواقع القيادة، تحمل في طياتها دلالات سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية. هذه القرارات، التي جاءت في سياق حرب مستمرة وتحديات داخلية وخارجية متصاعدة، تستدعي تفكيكًا تحليليًا هادئًا لفهم مضامينها المؤسسية، وربطها بالتوجهات الأيديولوجية التي بدأت تطفو على السطح، وتأثيرها على مستقبل الجيش السوداني كقوة وطنية مهنية.
إلغاء المواقع السابقة وإعادة تعريف الأدوار
كان القرار الأول والأبرز هو إلغاء مواقع القائد العام ومساعديه بصيغتها السابقة. هذا الإلغاء، وإن بدا إداريًا في ظاهره، إلا أنه يحمل في جوهره تفريغًا للمناصب من ثقلها السياسي المباشر، الذي اكتسبته خلال الفترة الانتقالية وما تلاها من أحداث. لقد كانت هذه المواقع، خاصة نائبي القائد العام، تمثل مراكز نفوذ وصلاحيات واسعة، تشارك في صناعة القرار الاستراتيجي وتوجيه مسار البلاد. وبإلغاء هذه الصيغة، يبدو أن البرهان يسعى إلى مركزة السلطة بشكل أكبر في يده، وإعادة تعريف الأدوار القيادية لتصبح أكثر تخصصًا وفنية، وأقل تأثيرًا في الشأن السياسي العام. ويصف الخبير العسكري عمرو يوسف، ان ما يحدث ليس تغييرا إداريا عابرا، بل إعادة هندسة لمركز القرار داخل الجيش بما يضمن ضبط سلسلة القيادة وتوحيدها بشكل أكثر صرامة.
وفي خطوة تبدو وكأنها محاولة لحفظ ماء الوجه، أبقى القرار على كل من الفريق أول شمس الدين كباشي والفريق أول إبراهيم جابر كأعضاء في هيئة القيادة. هذا الإبقاء، وإن كان يمنحهم صفة العضوية في أعلى هيئة عسكرية، إلا أنه يجردهم من الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي كانوا يتمتعون بها كمساعدين مباشرين للقائد العام. إنها صيغة تعكس إعفاءً فعليًا بصيغة غير مباشرة، حيث يتم الإبقاء على الشخصيات في مواقع شرفية أو استشارية، بينما تُسحب منهم أدوات التأثير المباشر في صناعة القرار.
تحجيم الأدوار ودفعها نحو مواقع أقل تأثيرا
تبع القرار الأول حزمة من التعيينات اللاحقة التي عززت من هذا التوجه نحو تحجيم الأدوار وتخصصها. فقد تم تعيين الفريق أول شمس الدين كباشي مساعدًا لشؤون البناء الاستراتيجي والتخطيط، والفريق أول إبراهيم جابر مساعدًا للعلاقات الخارجية، والفريق أول ميرغني إدريس مساعدًا لشؤون الصناعات العسكرية. هذه التعيينات، وإن كانت تحمل مسميات مهمة، إلا أنها في سياق التحليل السياسي، تبدو وكأنها إبعاد لهؤلاء القادة عن الملفات السياسية والأمنية الساخنة التي كانت في صلب اهتماماتهم وصلاحياتهم السابقة. فمثلاً، تحويل كباشي إلى شؤون البناء الاستراتيجي والتخطيط، يبعده عن الواجهة السياسية المباشرة، ويضعه في دور فني يتطلب رؤية طويلة المدى، ولكنه يفتقر إلى التأثير الآني في مجريات الأحداث. وكذلك جابر، الذي كان له دور بارز في الملفات الداخلية، أصبح مسؤولًا عن العلاقات الخارجية، وهو دور يتطلب مهارات دبلوماسية، ولكنه يقلل من نفوذه في الشأن الداخلي. أما ميرغني إدريس، فقد تم تركيز دوره على الجانب التصنيعي العسكري، وهو مجال حيوي، لكنه لا يمنحه ذات الصلاحيات الشاملة التي كانت لمساعدي القائد العام السابقين. هذه الخطوات تشير بوضوح إلى تحجيم أدوار بعض القيادات السابقة ودفعها نحو مواقع أقل تأثيرًا في صناعة القرار الفعلي، ضمن سياق أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسة العسكرية. ويضيف الدكتور خضر زين العابدين المحلل السياسي، بان هذه الصيغة لا تعني الإبعاد بقدر ما تعني إعادة توزيع الأدوار داخل منظومة السلطة العسكرية، بحيث يتم تفريغ بعض المواقع من تأثيرها السياسي المباشر.
صعود ياسر العطا: دلالات رئاسة هيئة الأركان والعلاقة مع تنظيم الاخوان
لعل النقطة الأكثر إثارة للقلق في هذه التغييرات هي تعيين الفريق أول ركن ياسر العطا رئيسًا لهيئة الأركان. هذا التعيين لا يمكن قراءته بمعزل عن الخلفية الأيديولوجية لياسر العطا، الذي يُعرف بأنه أحد قيادات وكوادر تنظيم الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية في السودان. والأخطر من ذلك، هو ارتباطه برعاية كتائب إرهابية مثل كتيبة البراء بن مالك، وهي منظومات صنفتها الإدارة الأمريكية وعدد من الدول الأوروبية كمنظمات إرهابية. ويقول الأستاذ مصطفي زغلول، الخبير في شؤون الأمن الإقليمي، ان رئاسة هيئة الأركان هي قلب العمل العسكري التنفيذي، واختيار هذا الموقع يعكس توجهاً نحو تشديد القبضة العملياتية في مرحلة شديدة التعقيد، ويضيف إن صعود شخصية بهذه الخلفية إلى رأس هيئة الأركان، وهي أعلى هيئة عسكرية تنفيذية، يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الجيش السوداني وعقيدته العسكرية. فبدلاً من التوجه نحو جيش مهني غير مسيس أو مؤدلج، يبدو أن هذه الخطوة تمثل تحولًا خطيرًا نحو أدلجة الجيش وشرعنة المليشيات الإرهابية تحت غطاء رسمي. هذا التعيين يبعث برسالة مقلقة للمجتمع الدولي، خاصة وأن العديد من الدول تصنف هذه التنظيمات ككيانات إرهابية، مما قد يؤثر سلبًا على علاقات السودان الخارجية ومكانته الدولية.
إعادة توزيع النفوذ وتوازنات القيادة
إن القرارات الأخيرة للبرهان تعكس بوضوح إعادة توزيع للنفوذ داخل المؤسسة العسكرية، حيث يتم تمكين الجناح الأكثر راديكالية، المتمثل في شخصيات ذات خلفية أيديولوجية واضحة مثل ياسر العطا، على حساب الجناح الذي يمكن وصفه بـ “البراغماتي”، والذي يمثله كباشي وجابر. هذه الخطوة تشير إلى أن البرهان يعيد ترتيب أوراقه لضمان الولاء الأيديولوجي في مرحلة حرجة، ربما بهدف تعزيز قبضته على السلطة وتصفية أي جيوب قد لا تتوافق مع توجهاته الجديدة، ويشير “مراقبون إلى أن القرارات تعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع المؤسسة العسكرية، لكن في الوقت ذاته تخلق مراكز اختصاص أكثر من كونها مراكز قرار، وهو ما قد يعيد تشكيل ميزان النفوذ الداخلي. ان الآثار المباشرة لهذه القرارات على توازنات القيادة العسكرية ستكون عميقة. فبينما يتم تحجيم أدوار القيادات السابقة ودفعها نحو مواقع أقل تأثيرًا في صناعة القرار، يتم الدفع بشخصيات ذات ولاء أيديولوجي صريح إلى مراكز القوة. هذا التحول قد يؤدي إلى تضييق مساحة التنوع الفكري والمهني داخل الجيش، ويجعله أكثر عرضة للاستقطاب السياسي والأيديولوجي، بدلاً من التركيز على مهامه الوطنية والدفاعية البحتة. غير أن بعض القراءات التحليلية تحذر من انعكاسات بعيدة المدى لهذه التحولات. إذ يرى الأستاذ فتحي بشير، الباحث في مراكز الدراسات الاستراتيجية، رغم أن إعادة الترتيب قد تعزز الانضباط على المدى القصير، إلا أنها قد تقلص التعدد داخل مراكز القرار لصالح مركزية شديدة، وهو ما يفتح الباب أمام استقطاب داخلي محتمل داخل المؤسسة. في المحصلة تتقاطع أغلب التحليلات عند أن قرارات البرهان الأخيرة تتجاوز الطابع الإداري، لتشكل عملية إعادة هندسة شاملة لموازين القوة داخل الجيش السوداني. وبين من يراها خطوة لضبط الإيقاع العسكري في زمن الحرب، ومن يحذر من تداعياتها المؤسسية، يبقى المشهد مفتوحًا على تحولات أعمق في بنية المؤسسة العسكرية ودورها المستقبلي.
الخلاصة .. نحو جيش مهني غير مسيس
في الختام، يجب التأكيد على أن هذه التغييرات، بكل ما تحمله من دلالات، تبعد الجيش السوداني عن مسار المهنية والتجرد، وتكرس التسييس والأدلجة داخل مؤسسة يفترض أن تكون وطنية بامتياز. إن بناء جيش مهني، غير مسيس أو مؤدلج، وخاضع للسلطة المدنية المنتخبة، يظل هو الركيزة الأساسية لأي دولة ديمقراطية مستقرة. إن إصلاح المؤسسة العسكرية في السودان يجب أن ينطلق من مبادئ الحياد والمهنية والولاء للوطن وحده، بعيدًا عن أي انتماءات حزبية أو أيديولوجية، لضمان أن يكون الجيش درعًا للوطن وحاميًا لشعبه، لا أداة في يد فئة أو جماعة سياسية.
